الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

97

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و إِذْ يَقُولُ بدل من إِذْ هُمْ نَجْوى بدل بعض من كل ، لأن نجواهم غير منحصرة في هذا القول . وإنما خص هذا القول بالذكر لأنه أشدّ غرابة من بقية آفاكهم للبون الواضح بين حال النبي صلى اللّه عليه وسلّم وبين حال المسحور . ووقع إظهار في مقام الإضمار في إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ دون : إذ يقولون ، للدلالة على أن باعث قولهم ذلك هو الظلم ، أي الشرك فإن الشرك ظلم ، أي ولولا شركهم لما مثل عاقل حالة النبي الكاملة بحالة المسحور . ويجوز أن يراد الظلم أيضا الاعتداء ، أي الاعتداء على النبي صلى اللّه عليه وسلّم كذبا . [ 48 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 48 ] انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ( 48 ) جملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ونظائرها كثيرة في القرآن . والتعبير بفعل النظر إشارة إلى أنه بلغ من الوضوح أن يكون منظورا . والاستفهام ب ( كيف ) للتعجيب من حالة تمثيلهم للنبي - عليه الصلاة والسلام - بالمسحور ونحوه . وأصل ( ضرب ) وضع الشيء وتثبيته يقال : ضرب خيمة ، ويطلق على صوغ الشيء على حجم مخصوص ، يقال : ضرب دنانير ، وهو هنا مستعار للإبراز والبيان تشبيها للشيء المبرز المبين بالشيء المثبت . وتقدم عند قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا في [ البقرة : 26 ] . واللام في لَكَ للتعليل والأجل ، أي ضربوا الأمثال لأجلك ، أي لأجل تمثيلك ، أي مثلوك . يقال : ضربت لك مثلا بكذا . وأصله مثلتك بكذا ، أي أجد كذا مثلا لك ، قال تعالى : فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ [ النحل : 74 ] وقال : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ [ يس : 13 ] أي اجعلهم مثلا لحالهم . وجمع الْأَمْثالَ هنا ، وإن كان المحكي عنهم أنهم مثلوه بالمسحور ، وهو مثل واحد ، لأن المقصود التعجيب من هذا المثل ومن غيره فيما يصدر عنهم من قولهم : هو شاعر ، هو كاهن ، هو مجنون ، هو ساحر ، هو مسحور . وسميت أمثالا باعتبار حالهم لأنهم تحيروا فيما يصفونه به للناس لئلا يعتقدوه نبيئا ، فجعلوا يتطلبون أشبه الأحوال بحاله في خيالهم فيلحقونه به ، كمن يدرج فردا غريبا في أشبه الأجناس به ، كمن يقول في